بهاء الدين الجندي اليمني

399

السلوك في طبقات العلماء والملوك

وكان الملك المنصور بن ( علي ) « 1 » بن رسول يحبه ويعتقده ، فلما بنى مدرسته التي بدرجة المغربة المعروفة بالوزيرية « 2 » لم يزل يتلطّف له ويتوسّل إليه حتى نزل من بلده وقعد في المدرسة مدرسا ، ثم قال له : إني أحب أن أكون أقرأ عليك ونزولي إلى المدرسة في كل يوم يشق عليك وعلي وعلى الناس ، فإن رأيت فانعم كل يوم يأتيك الركبدار « 3 » ببغلة تركبها وتطلع الحصن فأقرأ عليك في خلوة فرأى الفقيه أن طلوعه أسهل فاستعفاه الفقيه من ركوب البغلة وقال : أنا أطلع على كل يوم بدرسيّ من أصحابي يؤنسني ، واتفق مع السلطان على ذلك ، وصار يطلع في كل يوم الحصن ومعه درسيّ من أصحابه ، فلما صار على باب الستارة وقف صاحبه ودخل الفقيه من غير إذن فيقرأ عليه السلطان ما شاء اللّه ثم يخرج الفقيه وكان السلطان متى نزل من الحصن يأمر من يسبقه إلى الفقيه يسأل منه أن يقف على باب المدرسة فإذا قابل السلطان ذلك الموضع ردّ السلام ثم رفع يده يشير إلى أن الفقيه يدعو فيفهم الإشارة ويدعو السلطان واقف رافعا يديه ، فإذا مسح الفقيه وجهه مسح السلطان ومن معه وجوههم ، ويتقدم حيث أراد ويعود الفقيه المدرسة فلا يبرح مدرسا ومفتيا بقية يومه ، ولم يزل ذلك من عادته ، وحج سنة سبع وعشرين أو ثمان وعشرين وحجّ معه ولده عمر ، ولما دنت وفاته عاد من تعز بلده فتوفي بها ، ورأيت بخط ولده عمر يقول توفي الوالد طلوع الفجر ليلة الجمعة لليلة أو ليلتين بقيتا من المحرم أول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، وكان آخر ما فهمنا من كلامه لا إله إلا اللّه وللّه الحمد ، ودفنّاه بعد صلاة الجمعة ، وكان يقول من زمان : يوم الجمعة وليلتها عليّ ثقيلان ولعل موتي فيهما ، وكان قد أخبرني مع جماعة منهم الشيخ الصالح زريع بن سعد الحداد ، وقبل أن يعلم أين يريد حفر قبره ، متى حفرت قبري وجدتم قبرا آخر . فلما توفي وجدنا جربة « 4 » مزروعة فأبعدنا الزرع من موضع فيها ثم حفرنا فيه ، فلما قاربنا اللحد ظهر لنا طاقة « 5 » إلى قبر آخر فسددناها ثم أتممنا القبر وقبرناه فيه . ثم خلفه ابنه عمر وامتنع عن النزول إلى تعز للتدريس فلم يعذره المنصور من

--> ( 1 ) ما بين القوسين زيادة منا . ( 2 ) لا عين ولا أثر لهذه المدرسة . ( 3 ) في « ب » أو فتنعم أي قل نعم ، والركبدار : الموكل بالمركوبات . ( 4 ) الجربة : بكسر الجيم وسكون الراء ثم باء موحدة وهاء : القطعة من الأرض محدودة المعالم ، وأبعدنا الزرع أزلناه عن موضعه ، لغة دارجة . ( 5 ) الطاقة : النافذة ، معروفة .